طريق النحل
16-03-2007, 13:19
كيف يعيش أشهر سجين عربي في إسرائيل؟
اثنا عشر شهرا ناضل مروان البرغوثي، قيادي حركة فتح الذي يراه كثير من الفلسطينيين رئيسا مقبلا لدولتهم، من داخل سجنه من أجل التقاء ولده الأكبر، قسام، ونجحت معركته أخيرا لكنها لم تكتمل. وقسام أيضا في الأسر الاسرائيلي، لكن سلطات السجون رفضت نقله الى السجن الذي يقبع فيه والده. كل قساوة السجن لا تساوي قلق مروان البرغوثي الأب على ولده السجين. فالشعور في هذه الحالة لا يوصف. فهو كأب، يصمد داخل السجن رغم كل ظروف الاعتقال ويعرف كم هو الصمود صعب، ولكن عندما يكون الإبن أيضا في السجن، تختلف المسألة. كل صمود عندها يصبح مكابرة، مبنية على كبت مشاعر القلق.
وإسرائيل تعرف جيدا ذلك الشعور. عشرات المحاضرات لدى الأخصائيين النفسيين علمت السجانين كيف يديرون حربا كهذه على الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وهذه ليست مجرد سجون، ونزلاؤها ليسوا مجرد أسرى. إنهم في العدد يعدون 11 ألف سجين، وفي المضمون يمثلون جيلا من المناضلين الفلسطينيين سيتولى في مرحلة ما قيادة الشعب الفلسطيني. مروان البرغوثي هو واحد منهم، وليس أي واحد. انه شخصية سياسية مميزة، يذكر اسمه في فلسطين وفي إسرائيل وفي العالم أجمع على انه ربما الرئيس الفلسطيني القادم. كل استطلاعات الرأي التي نشرت في السنوات الأخيرة ترسمه رئيسا. وعملية التنكيل به والتعذيب النفسي والجسدي تحتاج الى كتاب كامل لسردها. ولعل أقساها اليوم، ما يفعلونه تجاه ابنه. فبعد تلك الشهور الطويلة التي عاناها بالبعد عنه وبالشعور انهم يحاربونه بابنه، وافقوا على نقله الى السجن نفسه الذي يقبع فيه. لكنهم أصروا على ابقاء الوالد بعيدا عن ابنه حتى في السجن نفسه، فأحضروه الى القسم نفسه في سجن «هداريم»، لكنهم منعوه من ادخاله للسكن معه في غرفته. وبعد أسبوعين عادوا لنقله من السجن الى سجن آخر. أما زوجته المحامية فدوى البرغوثي فلم تتمكن من زيارته إلا بعد خمس سنوات من سجنه.
وهذا نموذج واحد من معاناة مروان البرغوثي، أسير آخر من كبار أسرى فلسطين في إسرائيل. في الشهر المقبل يكون قد مر على اعتقاله خمس سنوات، ولا يكاد يمر يوم منها من دون أن يحتل اسمه عناوين الصحف، أيضا في اسرائيل. فهو الأسير المعذب. وهو القائد الذي يرشح نفسه لمنافسة محمود عباس (أبو مازن) على الرئاسة الفلسطينية. وهو الذي ينجز اتفاق الأسرى، وهو الذي من سجنه يساهم في وقف الاقتتال الفلسطيني. القادة الفلسطينيون يترددون عليه لزيارته واستشارته في العديد من القضايا، ويتضح ان رأيه كان حاسما في العديد من القضايا. وفي الآونة الأخيرة زاره النائب الاسرائيلي اليساري، حايم اورون، الذي قيل انه مندوب عن رئيس الحكومة، ايهود أولمرت (وقد نفى أن يكون مبعوثا من احد). وزاد الاهتمام بشأنه بعد مطالبة الوزير الاسرائيلي، نائب رئيس المخابرات الأسبق، جدعون عزرا، بإدراج اسم البرغوثي لاطلاق سراحه في اطار صفقة التبادل مع جلعاد شليط، ويلقى هذا الطلب تأييدا ملحوظا في اسرائيل.
ولأن المقابلات الصحافية ممنوعة منعا باتا عليه اليوم، فإننا لكي نعرف كيف يعيش في السجن وماذا يفعل خلال يومه وما الذي يشغل باله اليوم وكيف يستطيع التأثير بهذا الشكل البارز على الحياة السياسية الفلسطينية من داخل سجنه، لجأنا إلى استقاء المعلومات من محيطه ومعارفه وبعض خصومه. ومروان البرغوثي من مواليد سنة 1959 لعائلة فقيرة، فكان والده فلاحا بسيطا ووالدته ربة بيت، في بلدة كوبر قضاء رام الله. داهمه الاحتلال الاسرائيلي عندما كان فتى صغيرا، يمشي على قدميه من بيته الى قرية بير زيت المجاورة كل يوم ليدرس في مدرستها. فوجد نفسه يصطدم بجنود الاحتلال في كل يوم. منذ بداية الصدام مع الاحتلال أخذ موقعا مسؤولا في الحركة الطلابية وشارك في المظاهرات وأصبح مطلوبا دائما الى المخابرات وتحول في الحال جزءا من المقاومة، التي تمثلت في ذلك الوقت فقط بحركة «فتح». ومن هناك كانت طريقه قصيرة الى السجن، فاعتقل وهو في الخامسة عشرة من العمر وحكم عليه بالسجن أربع سنوات بعد ادانته بإعداد زجاجات حارقة. وفي السجن اهتم بأمرين أساسيين: أن يكمل دراسته الثانوية ويتقدم لامتحان التوجيهي، وأن يتعلم اللغة العبرية ويتعرف على ما هو غير ظاهر في الشعب والدولة العبرية. عندما انهى محكوميته تقدم الى الدراسة الجامعية في جامعة بير زيت، حيث درس العلوم السياسية والتاريخ للقب الأول والعلاقات الدولية للقب الثاني، وترافق ذلك مع النشاط السياسي الحافل، حيث اشتعلت الانتفاضة الأولى وشارك فيها بدور كبير بوصفه رئيسا لاتحاد الطلبة في الجامعة.
وقد أدرك الاحتلال الخطر من شخصيته ودوره فأبعده عن الضفة الغربية الى الأردن، مثل العديدين من أبناء جيله في «فتح» وغيرها. وهناك عمل لمدة سنة في متابعة شؤون الانتفاضة وجرحاها، ثم انتقل الى تونس للعمل الى جانب مسؤول ملف الانتفاضة خليل الوزير (أبو جهاد) والرئيس ياسر عرفات. وفي سنة 1991، مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، بدأ البرغوثي يبرز كأحد الطليعيين في دفع عملية السلام الى الأمام، واقتنع باتفاقات أوسلو كفاتحة تاريخية لإحقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وعاد الى الأراضي الفلسطينية مع عرفات في سنة 1993. وعندما قتل رئيس الوزراء الاسرائيلي، اسحق رابين، برصاص متطرف يميني أدرك مروان البرغوثي أن المجتمع الاسرائيلي مقسوم الى قسمين، الأول معني بشكل حقيقي بالسلام والثاني غير معني به بتاتا. وانتبه الى قضية لا ينتبه اليها كثيرون، وهي ان بإمكان الفلسطينيين أن يساهموا في النقاش الداخلي الاسرائيلي لتعزيز قوة معسكر السلام وذلك بتوجيه الرسائل الايجابية للشعب في اسرائيل من الجانب الفلسطيني. بيد أن الانعطاف اليميني الحاد في اسرائيل وفوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة، أحدث انعطافا لدى البرغوثي والعديدين من أمثاله. فأدركوا ان اسرائيل تحتاج الى جولة جديدة من المقاومة حتى تقتنع بإنهاء الاحتلال. وكانت شرارة المقاومة في النشاطات التي أقامها في شهر مايو (أيار) 2000 في ذكرى نكبة فلسطين، وهي البداية الحقيقية للانتفاضة.
محامي الدفاع عن البرغوثي وصديقه الشخصي، جواد بولس، قال لـ«الشرق الأوسط»: «كان مروان مقتنعا بأن المقاومة ليست شرطا لتحقيق المكاسب، فتوجه الى رئيس الحكومة الاسرائيلية الجديد، ايهود باراك، داعيا الى ابداء أية خطوة جدية للنوايا الحسنة. وفي حينه كان من المفروض أن تنسحب اسرائيل من ثلاث قرى في محيط مدينة القدس في اطار تطبيق اتفاقات أوسلو، فقال يومها البرغوثي لمبعوث باراك، يوسي بيلين، الذي شغل في ذلك الوقت منصب نائب وزير: بإمكانكم ان تجعلوا إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية احتفالا سلميا، إذا انسحبتم من القرى الثلاث، وبإمكانكم أن تجعلوها بداية انتفاضة ضدكم». وعندما رفض باراك الطلب، مستمرا في نهج اليمين المتنكر لتطبيق الاتفاقات، أدرك البرغوثي ورفاقه ان اسرائيل لا تنوي اكمال المسيرة السلمية. وزاد الطين بلة فشل مفاوضات «كامب ديفيد» بين باراك وعرفات، ثم سماح باراك لرئيس المعارضة في ذلك الوقت، آرييل شارون، بالقيام بزيارته الاستفزازية لباحة المسجد الأقصى. فانفجرت الانتفاضة بكل عنفوانها. وتساءل كثيرون يومها، كيف انتقل البرغوثي من معسكر السلام، بل معسكر اوسلو، الى المقاومة والمقاومة المسلحة، وحسب أحد المقربين منه: لقد شعر أن «حماس» و«الجهاد الاسلامي» و«الجبهة الشعبية» يحتلون الشارع بفضل المقاومة، فقرر ان تكون «فتح» سباقة في قيادة الانتفاضة حيث بادر الى تأسيس «كتائب شهداء الأقصى» كذراع لحركة «فتح»، وهو التنظيم المسلح القادر والمجرب. فوقف مساندا لهذا الكفاح ومبادرا اليه. ونفذ مقاتلو «فتح» في تلك الفترة عمليات عسكرية واسعة مثل الهجوم على عدة حواجز عسكرية وقتل العديد من الجنود واغتيال عدد من ضباط المخابرات الاسرائيليين بايدي عملائهم الفلسطينيين الذين تمكنت «فتح» من تجنيدهم ووعدهم بالعفو العام عنهم إذا نفذوا عمليات كهذه. وفي التحقيقات مع العديد من المعتقلين الفلسطينيين تم ذكر اسم البرغوثي عشرات المرات كواحد من القادة المشجعين والممولين للعمليات. وحاولت القوات الاسرائيلية اغتياله عدة مرات ففشلت، لكنها استطاعت اعتقاله في 15 ابريل (نيسان) 2002 اثر تلقيها معلومة دقيقة عن مكان وجوده. ويقول المحامي جواد بولس ان السلطات الاسرائيلية احتارت فيما ستفعله مع مروان، هل ترسله الى الاعتقال الاداري أم تبعده عن الوطن أم تقدمه الى المحاكمة. وقد حسمت الأمر بمحاكمته، ليس لأن لديها أدلة دامغة ضده، بل لأن البدائل الأخرى كانت ستثير ضجة ضدها في اسرائيل نفسها وفي العالم.
وكانت المحاكمة في المحكمة المركزية في تل ابيب اشبه بمسرحية. فقد وجهت النيابة اليه لائحة اتهام تفضي الى حكم بالسجن ضده 59 مؤبدا. فقد اتهموه بترؤس «كتائب الأقصى» وقتل 26 اسرائيليا، وبالمسؤولية عن 33 عملية تفجيرية. والشهود ضده هم بالأساس من رجال الأمن الاسرائيليين ونشطاء في اليمين واليمين المتطرف.
حتى القضاة في المحكمة لم يحتملوا الاتهامات، فرفضوا معظمها، وفي نهاية المحكمة برأوه من قتل 21 اسرائيليا ومن المسؤولية عن 33 عملية تفجير. وخلال المحكمة اصطدم القضاة مع ممثلة النيابة المحامية دبورا حين وبخوها على اهانتها المحكمة. وذات مرة جلبوا شرطيا للإدلاء بشهادته بوصفه كان شاهدا على عملية تفجير لا علاقة لمروان بها، فسأل القاضية: أريد أن أفهم، ما هي علاقتي بهذا الكلام؟ فأجابت القاضية سارة سيروتا: «وأنا ايضا لا افهم».
لقد اتبع البرغوثي نهجا في المحكمة يشبه نهج نلسون مانديلا، حيث انه لم يعترف بها واعتبرها محكمة سياسية غير شرعية وحولها الى ساحة كفاح سياسي يحاكم فيها الاحتلال وليس مروان البرغوثي. واستقطبت المحاكمة اهتماما وتضامنا عالميا واسعا، وحتى اسرائيليا. حضر كل الجلسات وفد برلماني فرنسي من ستة نواب، علما بان البرغوثي يرأس جمعية الصداقة الفرنسية ـ الفلسطينية. منذ اليوم الأول لاعتقاله بدأ المحققون عملية التعذيب النفسي والجسدي. منعوه من النوم، حيث كانوا يتبادلون التحقيق معه ليل نهار من دون توقف، منعوه من مقابلة محاميه طيلة شهور، أسكنوه في زنزانة ضيقة طولها متران ونصف المتر وعرضها متر ونصف المتر، تأكلها الرطوبة، الشباك الصغير الوحيد فيها أغلق بلوح خشبي. لا يرى نور الشمس. المرحاض فيها عبارة عن ثقب مفتوح في الأرضية، لطالما فاض على بقية أرض الغرفة. لم يتح له أن يقابل زوجته وأولاده خمس سنوات كاملة، وعندما التقاهم حرم من لمسهم واحتضانهم وتقبيلهم. السجانون كانوا يقيمون له حفلات إذلال ومهانة، فيجبرونه على المرور وسط طابور من رفاقهم السجانين وخلال مروره يوجهون له الشتائم والإهانات. حتى بعد ادانته في المحكمة والحكم عليه بالسجن خمس مرات بالمؤبد وأربعين سنة اضافية، ونقله من المعتقلات الى سجن رسمي، مر بمرحلة تعذيب جديد. فقد نقلوه من سجن لآخر. وعاقبوه على أتفه الأسباب بحرمانه من الاستماع الى الإذاعة أو التلفزيون. أدخلوه الى الزنزانة من جديد. أبعدوه عن رفاقه واصدقائه. قطعوا الزيارات عنه. ووضعوه لعدة سنوات في عزل انفرادي كامل.
بيد انه اليوم، وعمليا في الشهور الأخيرة، يعيش في ظروف أفضل نسبيا. فهو في قسم حديث من سجن «هداريم». في القسم 200 أسير، موزعون على 60 غرفة، كل منها يتسع لشخصين، لكنهم يحشرون فيها ثلاثة اشخاص. لديهم في الغرفة جهاز تلفزيون يعمل بالدش ويرى القنوات التي تحددها ادارة السجن. ويقرأ ما يتوفر وتسمح به ادارة السجن من الكتب، اضافة الى ثلاث صحف اسرائيلية.
يبدأ برنامجه اليومي بممارسة الرياضة البدنية لمدة ساعة في اليوم. يتناول الافطار وينخرط في القراءة. انه يقرأ في اليوم عشر ساعات. يهتم بتقوية لغته العبرية والانجليزية، اضافة الى العربية. قرأ في الآونة الأخيرة كتابا عن حياة كلينتون باللغة الانجليزية، وكتاب «عرب جيدون» باللغة العبرية وهو يحكي قصة أسلوب المخابرات الاسرائيلية في تجنيد سماسرة الأراضي والعملاء من المواطنين العرب في اسرائيل (فلسطينيي 48) في بداية سنوات قيام اسرائيل، عشرات الروايات، كتب ادوارد سعيد، كتب عبرية عن اسرائيل وسياستها وسياسييها وغير ذلك. سألنا جواد بولس، المحامي والصديق الذي يكثر من زيارته، كيف يمكن لمروان أن يلعب هذا الدور السياسي الكبير والمؤثر من داخل السجن؟ يستقبل الزوار ويبعث الرسائل؟ كل هذا بموافقة اسرائيل وتحت مراقبتها، أليس كذلك؟ فأجاب «ان ظروف اعتقال مروان البرغوثي كما سائر المعتقلين قاسية وصعبة ولكن وعلى الرغم من هذه الصعوبة والمعاناة استطاعت الحركة الأسيرة الفلسطينية ان تكون عاملا مؤثرا في نبض ايقاع الشارع الوطني الفلسطيني. فجميع قادة الفصائل الفلسطينية يؤدون دورا شبيها طول الوقت. واسرائيل لا تستطيع مقاومة ذلك بشكل كامل، حتى لو أرادت. ويبرز دور مروان بالذات لأنه مبادر غير عادي ومفكر مبدع ونشيط في متابعة القضايا وطرح الحلول وله تأثير كبير وغير عادي». وكما هو معروف فإن مبادراته اعتمدت على علاقته المميزة مع «حماس» وقدرته على التفاهم مع قادتها، والسر في ذلك انه «واضح معها تمام الوضوح من جهة وانه ديمقراطي حقيقي من جهة أخرى»، يقول بولس. ويوضح هذا القول أكثر: «ان مروان يحمل فكرا سياسيا استراتيجيا واضحا يختلف فيه عن طروحات «حماس». فهو يريد دولة فلسطينية في حدود 1967 وفق المبادرة العربية والشرعية الدولية تكون ديمقراطية وتعددية وليبرالية. لكنه في الوقت نفسه ينظر الى «حماس» كفصيل فلسطيني شرعي، فاز في الانتخابات ويحق له ان يحكم ويثبت قدراته ويظهر برامجه، وبعدئذ يحكم الشعب عليها. فمروان كان صاحب الشعار السباق بأن «الشركاء في الدم شركاء في القرار». لهذا وقف ضد الحصار وضد المقاطعة. وعندما رأى الاقتتال الداخلي وضع آلية لتسوية الأمور بالتفاهم من خلال الاعتراف بهذا الدور وبهذه القيم. ودافعه الأساسي هو أن مشكلة الشعب الفلسطيني الأولى ليس هذا الفصيل أو ذاك بل الاحتلال. ومن خلال عمله على وثيقة الأسرى نجح في وضع الأسس المشتركة بين «فتح» و»حماس» وبقية الفصائل التي يحترمها مروان جميعا، وهي: برنامج سياسي على اساس مبدأ «دولتين للشعبين» على قاعدة حدود 1967، حصر المقاومة داخل المناطق المحتلة في العام 1967، منظمة التحرير الفلسطينية كانت وما زالت الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني هي التي تدير المفاوضات باسمه. وقد رأينا ان هذه الوثيقة تحولت الى برنامج سياسي لمجموع الشعب الفلسطيني».
وحتى قيام مروان البرغوثي بترشيح نفسه للرئاسة الفلسطينية في منافسة الرئيس أبو مازن، تبدو لدى صديق مروان ومحاميه خطة محكمة يفهم منها كما لو ان هناك توزيع أدوار بينهما، فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «عند وفاة الرئيس ياسر عرفات بدأت حملة ضغوط خارجية من أطراف عدة على الرئيس محمود عباس، احتوت بعض التهديد أيضا بأن عليه أن يسير على نهج آخر غير نهج عرفات وإلا فإن مصيره سيكون مثل مصير عرفات: حصار وخنق وإساءات نعرفها جميعا. وقد كانت تلك الضغوط مكشوفة وشبه علنية، وراح خصوم «فتح» يستغلونها للمساس بدورها التاريخي في قيادة الشعب الفلسطيني. ومروان معروف برؤيته لأهمية دور «فتح» الحاسم في بلورة المشروع الوطني. وحسبما أعتقد، ان مروان البرغوثي طرح خيارات أخرى أمام هؤلاء ليصد الضغوط ويقوي أبو مازن ويحافظ على مكانة «فتح». لكن ذلك لم يكن بمثابة توزيع أدوار بينه وبين ابو مازن، فهو عمل ذلك بشكل مستقل تماما. وكانت لديه فيه أهداف أخرى أيضا في الأجندة الوطنية. فقد أراد مروان أيضا أن يسجل موقفا سياسيا أمام العالم يقول فيه ان السجين الفلسطيني ليس مجرما وليس جانيا انما هو مناضل وقائد سياسي يستطيع ان ينتخب وهو في السجن، حيث لا يجرؤ احد على ممارسة الضغوط عليه».
وعندما انسحب البرغوثي من التنافس فعل ذلك بعدما نجح في تمرير الرسالة الى العالم خلال المعركة الانتخابية. فهو يؤكد انه لم يرد المساس بقوة الرئيس أبو مازن، «فهو قائد فتح وقائد منظمة التحرير ورئيسنا، وهناك علاقات مميزة تربطني به شخصيا فضلا عن ان المسؤولية الوطنية تحتم على كل فلسطيني ان يدعم الرئيس ويقويه ويحارب كل ما يمس به أو يضعف مكانته، وذلك ليس من أجل الرئيس فحسب، بل أيضا من أجل فلسطين وشعبها ومصالحها»، هكذا يقول مروان باستمرار.
حتى في اتفاق مكة المكرمة، كان هناك دور وتأثير لمروان البرغوثي. فهو من دعاة الوحدة الوطنية الفلسطينية ويسعى لإزالة كل العراقيل في طريقها. وهذا بالنسبة اليه ليس شعارا، انما يؤمن به لأنه يرى فيه الأداة الأساسية في الكفاح لإزالة الاحتلال وما ينتجه من ممارسات لفرض واقع على الأرض، مثل الاستيطان والجدار والحصار. ويرى ان غياب الوحدة يخدم الاحتلال فقط. ولذلك لم يدعم فحسب بل كان له دور فاعل وهام في التوصل الى اتفاق مكة.
وحسب بولس فإن البرغوثي، الذي يدرك بأن الوضع الفلسطيني مركب حاليا والشعب الفلسطيني لا يستطيع السماح بغياب الوحدة في مثل هذه الأوضاع خصوصا في ظل الاقتتال، مع ان الوحدة تواجه برفض اسرائيلي أميريكي يهدد باستمرار الحصار. ويضيف: أعتقد انه يؤمن بتطعيم الوحدة ببرنامج سياسي واقعي يفكك جبهة الحصار على الشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية، يبث رسالة سلام الى الشعب في اسرائيل، الذي يعتبره مروان البرغوثي ضحية لسياسة قيادته يأتي بالدرجة الثانية في المعاناة بعد الشعب الفلسطيني، ويدعوه دائما الى إدراك الحقيقة بأنه لا يمكن تحقيق السلام مع الاحتلال، ومن جهة ثانية تكريس المفاهيم الديمقراطية في فلسطين وسلطة القانون، بحيث يرى العالم اننا نسير في موكب الحضارة الانسانية ويرى الفلسطينيون ان ما يبنى هنا هو سلطة شعب وحكم شعب واردة شعب. السؤال الذي يطرح في هذا الوضع هو: هل يرى مروان البرغوثي انه قريب من الحرية، خصوصا بعد أن راينا وزيرا اسرائيليا هو جدعون عزرا، نائب رئيس المخابرات الأسبق، يدعو لاطلاق سراحه؟
ويجيب جواد بولس على السؤال قائلا: «أولا باعتقادي ان اعتقال مروان البرغوثي هو غير شرعي وهو في أضعف الأحوال خطأ اسرائيلي فادح، فمروان هو جزء من حل وليس جزءا من اشكال. ثانيا، ان الشعب الفلسطيني برمته طالب بالافراج عن مروان البرغوثي والعديد من الجهات الرسمية والبرلمانية والحقوقية في العالم ما زالت تطالب بالافراج الفوري عنه، اضافة الى ان الرئيس الفلسطيني وجميع الفصائل الفلسطينية طالبت بالافراج عنه وما زالت تضعه في رأس قائمة المطلوب الافراج عنهم وخاصة فيما يسمى صفقة جلعاد شليط. أما بخصوص جدعون عزرا فهو يعمل وفق المنطق الاسرائيلي الذي يقول ما بين السيء والأسوأ اختر السيء ولذلك يطالب بأن يكون مروان واحدا من الأسماء المشمولة في صفقة شليط باعتبار انه الأقوى في مواجهة فوز «حماس». ويضيف مختتما: «من جهة ثانية نحن نعرف ان كل أسير فلسطيني يحلم بالحرية ويضعها لنفسه هدفا وأملا، ومروان واحد منهم. وجميعهم يعرفون انه، إن آجلا أو عاجلا، سيطلق سراحهم جميعا قبل انتهاء محكوميتهم. فالأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد بضعة ألوف من البشر المساجين، ان لكل بيت فلسطيني أسيرا واحدا أو أكثر. شعب بأسره داخل السجن. وهذه حالة غير طبيعية. فإن لم يكن اليوم في هذه الصفقة، فسيطلق سراحهم في صفقة ثانية أو ثالثة أو في اطار عملية انفراج سياسي. المهم انهم جميعا سيخرجون الى الحرية».
اثنا عشر شهرا ناضل مروان البرغوثي، قيادي حركة فتح الذي يراه كثير من الفلسطينيين رئيسا مقبلا لدولتهم، من داخل سجنه من أجل التقاء ولده الأكبر، قسام، ونجحت معركته أخيرا لكنها لم تكتمل. وقسام أيضا في الأسر الاسرائيلي، لكن سلطات السجون رفضت نقله الى السجن الذي يقبع فيه والده. كل قساوة السجن لا تساوي قلق مروان البرغوثي الأب على ولده السجين. فالشعور في هذه الحالة لا يوصف. فهو كأب، يصمد داخل السجن رغم كل ظروف الاعتقال ويعرف كم هو الصمود صعب، ولكن عندما يكون الإبن أيضا في السجن، تختلف المسألة. كل صمود عندها يصبح مكابرة، مبنية على كبت مشاعر القلق.
وإسرائيل تعرف جيدا ذلك الشعور. عشرات المحاضرات لدى الأخصائيين النفسيين علمت السجانين كيف يديرون حربا كهذه على الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وهذه ليست مجرد سجون، ونزلاؤها ليسوا مجرد أسرى. إنهم في العدد يعدون 11 ألف سجين، وفي المضمون يمثلون جيلا من المناضلين الفلسطينيين سيتولى في مرحلة ما قيادة الشعب الفلسطيني. مروان البرغوثي هو واحد منهم، وليس أي واحد. انه شخصية سياسية مميزة، يذكر اسمه في فلسطين وفي إسرائيل وفي العالم أجمع على انه ربما الرئيس الفلسطيني القادم. كل استطلاعات الرأي التي نشرت في السنوات الأخيرة ترسمه رئيسا. وعملية التنكيل به والتعذيب النفسي والجسدي تحتاج الى كتاب كامل لسردها. ولعل أقساها اليوم، ما يفعلونه تجاه ابنه. فبعد تلك الشهور الطويلة التي عاناها بالبعد عنه وبالشعور انهم يحاربونه بابنه، وافقوا على نقله الى السجن نفسه الذي يقبع فيه. لكنهم أصروا على ابقاء الوالد بعيدا عن ابنه حتى في السجن نفسه، فأحضروه الى القسم نفسه في سجن «هداريم»، لكنهم منعوه من ادخاله للسكن معه في غرفته. وبعد أسبوعين عادوا لنقله من السجن الى سجن آخر. أما زوجته المحامية فدوى البرغوثي فلم تتمكن من زيارته إلا بعد خمس سنوات من سجنه.
وهذا نموذج واحد من معاناة مروان البرغوثي، أسير آخر من كبار أسرى فلسطين في إسرائيل. في الشهر المقبل يكون قد مر على اعتقاله خمس سنوات، ولا يكاد يمر يوم منها من دون أن يحتل اسمه عناوين الصحف، أيضا في اسرائيل. فهو الأسير المعذب. وهو القائد الذي يرشح نفسه لمنافسة محمود عباس (أبو مازن) على الرئاسة الفلسطينية. وهو الذي ينجز اتفاق الأسرى، وهو الذي من سجنه يساهم في وقف الاقتتال الفلسطيني. القادة الفلسطينيون يترددون عليه لزيارته واستشارته في العديد من القضايا، ويتضح ان رأيه كان حاسما في العديد من القضايا. وفي الآونة الأخيرة زاره النائب الاسرائيلي اليساري، حايم اورون، الذي قيل انه مندوب عن رئيس الحكومة، ايهود أولمرت (وقد نفى أن يكون مبعوثا من احد). وزاد الاهتمام بشأنه بعد مطالبة الوزير الاسرائيلي، نائب رئيس المخابرات الأسبق، جدعون عزرا، بإدراج اسم البرغوثي لاطلاق سراحه في اطار صفقة التبادل مع جلعاد شليط، ويلقى هذا الطلب تأييدا ملحوظا في اسرائيل.
ولأن المقابلات الصحافية ممنوعة منعا باتا عليه اليوم، فإننا لكي نعرف كيف يعيش في السجن وماذا يفعل خلال يومه وما الذي يشغل باله اليوم وكيف يستطيع التأثير بهذا الشكل البارز على الحياة السياسية الفلسطينية من داخل سجنه، لجأنا إلى استقاء المعلومات من محيطه ومعارفه وبعض خصومه. ومروان البرغوثي من مواليد سنة 1959 لعائلة فقيرة، فكان والده فلاحا بسيطا ووالدته ربة بيت، في بلدة كوبر قضاء رام الله. داهمه الاحتلال الاسرائيلي عندما كان فتى صغيرا، يمشي على قدميه من بيته الى قرية بير زيت المجاورة كل يوم ليدرس في مدرستها. فوجد نفسه يصطدم بجنود الاحتلال في كل يوم. منذ بداية الصدام مع الاحتلال أخذ موقعا مسؤولا في الحركة الطلابية وشارك في المظاهرات وأصبح مطلوبا دائما الى المخابرات وتحول في الحال جزءا من المقاومة، التي تمثلت في ذلك الوقت فقط بحركة «فتح». ومن هناك كانت طريقه قصيرة الى السجن، فاعتقل وهو في الخامسة عشرة من العمر وحكم عليه بالسجن أربع سنوات بعد ادانته بإعداد زجاجات حارقة. وفي السجن اهتم بأمرين أساسيين: أن يكمل دراسته الثانوية ويتقدم لامتحان التوجيهي، وأن يتعلم اللغة العبرية ويتعرف على ما هو غير ظاهر في الشعب والدولة العبرية. عندما انهى محكوميته تقدم الى الدراسة الجامعية في جامعة بير زيت، حيث درس العلوم السياسية والتاريخ للقب الأول والعلاقات الدولية للقب الثاني، وترافق ذلك مع النشاط السياسي الحافل، حيث اشتعلت الانتفاضة الأولى وشارك فيها بدور كبير بوصفه رئيسا لاتحاد الطلبة في الجامعة.
وقد أدرك الاحتلال الخطر من شخصيته ودوره فأبعده عن الضفة الغربية الى الأردن، مثل العديدين من أبناء جيله في «فتح» وغيرها. وهناك عمل لمدة سنة في متابعة شؤون الانتفاضة وجرحاها، ثم انتقل الى تونس للعمل الى جانب مسؤول ملف الانتفاضة خليل الوزير (أبو جهاد) والرئيس ياسر عرفات. وفي سنة 1991، مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، بدأ البرغوثي يبرز كأحد الطليعيين في دفع عملية السلام الى الأمام، واقتنع باتفاقات أوسلو كفاتحة تاريخية لإحقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وعاد الى الأراضي الفلسطينية مع عرفات في سنة 1993. وعندما قتل رئيس الوزراء الاسرائيلي، اسحق رابين، برصاص متطرف يميني أدرك مروان البرغوثي أن المجتمع الاسرائيلي مقسوم الى قسمين، الأول معني بشكل حقيقي بالسلام والثاني غير معني به بتاتا. وانتبه الى قضية لا ينتبه اليها كثيرون، وهي ان بإمكان الفلسطينيين أن يساهموا في النقاش الداخلي الاسرائيلي لتعزيز قوة معسكر السلام وذلك بتوجيه الرسائل الايجابية للشعب في اسرائيل من الجانب الفلسطيني. بيد أن الانعطاف اليميني الحاد في اسرائيل وفوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة، أحدث انعطافا لدى البرغوثي والعديدين من أمثاله. فأدركوا ان اسرائيل تحتاج الى جولة جديدة من المقاومة حتى تقتنع بإنهاء الاحتلال. وكانت شرارة المقاومة في النشاطات التي أقامها في شهر مايو (أيار) 2000 في ذكرى نكبة فلسطين، وهي البداية الحقيقية للانتفاضة.
محامي الدفاع عن البرغوثي وصديقه الشخصي، جواد بولس، قال لـ«الشرق الأوسط»: «كان مروان مقتنعا بأن المقاومة ليست شرطا لتحقيق المكاسب، فتوجه الى رئيس الحكومة الاسرائيلية الجديد، ايهود باراك، داعيا الى ابداء أية خطوة جدية للنوايا الحسنة. وفي حينه كان من المفروض أن تنسحب اسرائيل من ثلاث قرى في محيط مدينة القدس في اطار تطبيق اتفاقات أوسلو، فقال يومها البرغوثي لمبعوث باراك، يوسي بيلين، الذي شغل في ذلك الوقت منصب نائب وزير: بإمكانكم ان تجعلوا إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية احتفالا سلميا، إذا انسحبتم من القرى الثلاث، وبإمكانكم أن تجعلوها بداية انتفاضة ضدكم». وعندما رفض باراك الطلب، مستمرا في نهج اليمين المتنكر لتطبيق الاتفاقات، أدرك البرغوثي ورفاقه ان اسرائيل لا تنوي اكمال المسيرة السلمية. وزاد الطين بلة فشل مفاوضات «كامب ديفيد» بين باراك وعرفات، ثم سماح باراك لرئيس المعارضة في ذلك الوقت، آرييل شارون، بالقيام بزيارته الاستفزازية لباحة المسجد الأقصى. فانفجرت الانتفاضة بكل عنفوانها. وتساءل كثيرون يومها، كيف انتقل البرغوثي من معسكر السلام، بل معسكر اوسلو، الى المقاومة والمقاومة المسلحة، وحسب أحد المقربين منه: لقد شعر أن «حماس» و«الجهاد الاسلامي» و«الجبهة الشعبية» يحتلون الشارع بفضل المقاومة، فقرر ان تكون «فتح» سباقة في قيادة الانتفاضة حيث بادر الى تأسيس «كتائب شهداء الأقصى» كذراع لحركة «فتح»، وهو التنظيم المسلح القادر والمجرب. فوقف مساندا لهذا الكفاح ومبادرا اليه. ونفذ مقاتلو «فتح» في تلك الفترة عمليات عسكرية واسعة مثل الهجوم على عدة حواجز عسكرية وقتل العديد من الجنود واغتيال عدد من ضباط المخابرات الاسرائيليين بايدي عملائهم الفلسطينيين الذين تمكنت «فتح» من تجنيدهم ووعدهم بالعفو العام عنهم إذا نفذوا عمليات كهذه. وفي التحقيقات مع العديد من المعتقلين الفلسطينيين تم ذكر اسم البرغوثي عشرات المرات كواحد من القادة المشجعين والممولين للعمليات. وحاولت القوات الاسرائيلية اغتياله عدة مرات ففشلت، لكنها استطاعت اعتقاله في 15 ابريل (نيسان) 2002 اثر تلقيها معلومة دقيقة عن مكان وجوده. ويقول المحامي جواد بولس ان السلطات الاسرائيلية احتارت فيما ستفعله مع مروان، هل ترسله الى الاعتقال الاداري أم تبعده عن الوطن أم تقدمه الى المحاكمة. وقد حسمت الأمر بمحاكمته، ليس لأن لديها أدلة دامغة ضده، بل لأن البدائل الأخرى كانت ستثير ضجة ضدها في اسرائيل نفسها وفي العالم.
وكانت المحاكمة في المحكمة المركزية في تل ابيب اشبه بمسرحية. فقد وجهت النيابة اليه لائحة اتهام تفضي الى حكم بالسجن ضده 59 مؤبدا. فقد اتهموه بترؤس «كتائب الأقصى» وقتل 26 اسرائيليا، وبالمسؤولية عن 33 عملية تفجيرية. والشهود ضده هم بالأساس من رجال الأمن الاسرائيليين ونشطاء في اليمين واليمين المتطرف.
حتى القضاة في المحكمة لم يحتملوا الاتهامات، فرفضوا معظمها، وفي نهاية المحكمة برأوه من قتل 21 اسرائيليا ومن المسؤولية عن 33 عملية تفجير. وخلال المحكمة اصطدم القضاة مع ممثلة النيابة المحامية دبورا حين وبخوها على اهانتها المحكمة. وذات مرة جلبوا شرطيا للإدلاء بشهادته بوصفه كان شاهدا على عملية تفجير لا علاقة لمروان بها، فسأل القاضية: أريد أن أفهم، ما هي علاقتي بهذا الكلام؟ فأجابت القاضية سارة سيروتا: «وأنا ايضا لا افهم».
لقد اتبع البرغوثي نهجا في المحكمة يشبه نهج نلسون مانديلا، حيث انه لم يعترف بها واعتبرها محكمة سياسية غير شرعية وحولها الى ساحة كفاح سياسي يحاكم فيها الاحتلال وليس مروان البرغوثي. واستقطبت المحاكمة اهتماما وتضامنا عالميا واسعا، وحتى اسرائيليا. حضر كل الجلسات وفد برلماني فرنسي من ستة نواب، علما بان البرغوثي يرأس جمعية الصداقة الفرنسية ـ الفلسطينية. منذ اليوم الأول لاعتقاله بدأ المحققون عملية التعذيب النفسي والجسدي. منعوه من النوم، حيث كانوا يتبادلون التحقيق معه ليل نهار من دون توقف، منعوه من مقابلة محاميه طيلة شهور، أسكنوه في زنزانة ضيقة طولها متران ونصف المتر وعرضها متر ونصف المتر، تأكلها الرطوبة، الشباك الصغير الوحيد فيها أغلق بلوح خشبي. لا يرى نور الشمس. المرحاض فيها عبارة عن ثقب مفتوح في الأرضية، لطالما فاض على بقية أرض الغرفة. لم يتح له أن يقابل زوجته وأولاده خمس سنوات كاملة، وعندما التقاهم حرم من لمسهم واحتضانهم وتقبيلهم. السجانون كانوا يقيمون له حفلات إذلال ومهانة، فيجبرونه على المرور وسط طابور من رفاقهم السجانين وخلال مروره يوجهون له الشتائم والإهانات. حتى بعد ادانته في المحكمة والحكم عليه بالسجن خمس مرات بالمؤبد وأربعين سنة اضافية، ونقله من المعتقلات الى سجن رسمي، مر بمرحلة تعذيب جديد. فقد نقلوه من سجن لآخر. وعاقبوه على أتفه الأسباب بحرمانه من الاستماع الى الإذاعة أو التلفزيون. أدخلوه الى الزنزانة من جديد. أبعدوه عن رفاقه واصدقائه. قطعوا الزيارات عنه. ووضعوه لعدة سنوات في عزل انفرادي كامل.
بيد انه اليوم، وعمليا في الشهور الأخيرة، يعيش في ظروف أفضل نسبيا. فهو في قسم حديث من سجن «هداريم». في القسم 200 أسير، موزعون على 60 غرفة، كل منها يتسع لشخصين، لكنهم يحشرون فيها ثلاثة اشخاص. لديهم في الغرفة جهاز تلفزيون يعمل بالدش ويرى القنوات التي تحددها ادارة السجن. ويقرأ ما يتوفر وتسمح به ادارة السجن من الكتب، اضافة الى ثلاث صحف اسرائيلية.
يبدأ برنامجه اليومي بممارسة الرياضة البدنية لمدة ساعة في اليوم. يتناول الافطار وينخرط في القراءة. انه يقرأ في اليوم عشر ساعات. يهتم بتقوية لغته العبرية والانجليزية، اضافة الى العربية. قرأ في الآونة الأخيرة كتابا عن حياة كلينتون باللغة الانجليزية، وكتاب «عرب جيدون» باللغة العبرية وهو يحكي قصة أسلوب المخابرات الاسرائيلية في تجنيد سماسرة الأراضي والعملاء من المواطنين العرب في اسرائيل (فلسطينيي 48) في بداية سنوات قيام اسرائيل، عشرات الروايات، كتب ادوارد سعيد، كتب عبرية عن اسرائيل وسياستها وسياسييها وغير ذلك. سألنا جواد بولس، المحامي والصديق الذي يكثر من زيارته، كيف يمكن لمروان أن يلعب هذا الدور السياسي الكبير والمؤثر من داخل السجن؟ يستقبل الزوار ويبعث الرسائل؟ كل هذا بموافقة اسرائيل وتحت مراقبتها، أليس كذلك؟ فأجاب «ان ظروف اعتقال مروان البرغوثي كما سائر المعتقلين قاسية وصعبة ولكن وعلى الرغم من هذه الصعوبة والمعاناة استطاعت الحركة الأسيرة الفلسطينية ان تكون عاملا مؤثرا في نبض ايقاع الشارع الوطني الفلسطيني. فجميع قادة الفصائل الفلسطينية يؤدون دورا شبيها طول الوقت. واسرائيل لا تستطيع مقاومة ذلك بشكل كامل، حتى لو أرادت. ويبرز دور مروان بالذات لأنه مبادر غير عادي ومفكر مبدع ونشيط في متابعة القضايا وطرح الحلول وله تأثير كبير وغير عادي». وكما هو معروف فإن مبادراته اعتمدت على علاقته المميزة مع «حماس» وقدرته على التفاهم مع قادتها، والسر في ذلك انه «واضح معها تمام الوضوح من جهة وانه ديمقراطي حقيقي من جهة أخرى»، يقول بولس. ويوضح هذا القول أكثر: «ان مروان يحمل فكرا سياسيا استراتيجيا واضحا يختلف فيه عن طروحات «حماس». فهو يريد دولة فلسطينية في حدود 1967 وفق المبادرة العربية والشرعية الدولية تكون ديمقراطية وتعددية وليبرالية. لكنه في الوقت نفسه ينظر الى «حماس» كفصيل فلسطيني شرعي، فاز في الانتخابات ويحق له ان يحكم ويثبت قدراته ويظهر برامجه، وبعدئذ يحكم الشعب عليها. فمروان كان صاحب الشعار السباق بأن «الشركاء في الدم شركاء في القرار». لهذا وقف ضد الحصار وضد المقاطعة. وعندما رأى الاقتتال الداخلي وضع آلية لتسوية الأمور بالتفاهم من خلال الاعتراف بهذا الدور وبهذه القيم. ودافعه الأساسي هو أن مشكلة الشعب الفلسطيني الأولى ليس هذا الفصيل أو ذاك بل الاحتلال. ومن خلال عمله على وثيقة الأسرى نجح في وضع الأسس المشتركة بين «فتح» و»حماس» وبقية الفصائل التي يحترمها مروان جميعا، وهي: برنامج سياسي على اساس مبدأ «دولتين للشعبين» على قاعدة حدود 1967، حصر المقاومة داخل المناطق المحتلة في العام 1967، منظمة التحرير الفلسطينية كانت وما زالت الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني هي التي تدير المفاوضات باسمه. وقد رأينا ان هذه الوثيقة تحولت الى برنامج سياسي لمجموع الشعب الفلسطيني».
وحتى قيام مروان البرغوثي بترشيح نفسه للرئاسة الفلسطينية في منافسة الرئيس أبو مازن، تبدو لدى صديق مروان ومحاميه خطة محكمة يفهم منها كما لو ان هناك توزيع أدوار بينهما، فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «عند وفاة الرئيس ياسر عرفات بدأت حملة ضغوط خارجية من أطراف عدة على الرئيس محمود عباس، احتوت بعض التهديد أيضا بأن عليه أن يسير على نهج آخر غير نهج عرفات وإلا فإن مصيره سيكون مثل مصير عرفات: حصار وخنق وإساءات نعرفها جميعا. وقد كانت تلك الضغوط مكشوفة وشبه علنية، وراح خصوم «فتح» يستغلونها للمساس بدورها التاريخي في قيادة الشعب الفلسطيني. ومروان معروف برؤيته لأهمية دور «فتح» الحاسم في بلورة المشروع الوطني. وحسبما أعتقد، ان مروان البرغوثي طرح خيارات أخرى أمام هؤلاء ليصد الضغوط ويقوي أبو مازن ويحافظ على مكانة «فتح». لكن ذلك لم يكن بمثابة توزيع أدوار بينه وبين ابو مازن، فهو عمل ذلك بشكل مستقل تماما. وكانت لديه فيه أهداف أخرى أيضا في الأجندة الوطنية. فقد أراد مروان أيضا أن يسجل موقفا سياسيا أمام العالم يقول فيه ان السجين الفلسطيني ليس مجرما وليس جانيا انما هو مناضل وقائد سياسي يستطيع ان ينتخب وهو في السجن، حيث لا يجرؤ احد على ممارسة الضغوط عليه».
وعندما انسحب البرغوثي من التنافس فعل ذلك بعدما نجح في تمرير الرسالة الى العالم خلال المعركة الانتخابية. فهو يؤكد انه لم يرد المساس بقوة الرئيس أبو مازن، «فهو قائد فتح وقائد منظمة التحرير ورئيسنا، وهناك علاقات مميزة تربطني به شخصيا فضلا عن ان المسؤولية الوطنية تحتم على كل فلسطيني ان يدعم الرئيس ويقويه ويحارب كل ما يمس به أو يضعف مكانته، وذلك ليس من أجل الرئيس فحسب، بل أيضا من أجل فلسطين وشعبها ومصالحها»، هكذا يقول مروان باستمرار.
حتى في اتفاق مكة المكرمة، كان هناك دور وتأثير لمروان البرغوثي. فهو من دعاة الوحدة الوطنية الفلسطينية ويسعى لإزالة كل العراقيل في طريقها. وهذا بالنسبة اليه ليس شعارا، انما يؤمن به لأنه يرى فيه الأداة الأساسية في الكفاح لإزالة الاحتلال وما ينتجه من ممارسات لفرض واقع على الأرض، مثل الاستيطان والجدار والحصار. ويرى ان غياب الوحدة يخدم الاحتلال فقط. ولذلك لم يدعم فحسب بل كان له دور فاعل وهام في التوصل الى اتفاق مكة.
وحسب بولس فإن البرغوثي، الذي يدرك بأن الوضع الفلسطيني مركب حاليا والشعب الفلسطيني لا يستطيع السماح بغياب الوحدة في مثل هذه الأوضاع خصوصا في ظل الاقتتال، مع ان الوحدة تواجه برفض اسرائيلي أميريكي يهدد باستمرار الحصار. ويضيف: أعتقد انه يؤمن بتطعيم الوحدة ببرنامج سياسي واقعي يفكك جبهة الحصار على الشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية، يبث رسالة سلام الى الشعب في اسرائيل، الذي يعتبره مروان البرغوثي ضحية لسياسة قيادته يأتي بالدرجة الثانية في المعاناة بعد الشعب الفلسطيني، ويدعوه دائما الى إدراك الحقيقة بأنه لا يمكن تحقيق السلام مع الاحتلال، ومن جهة ثانية تكريس المفاهيم الديمقراطية في فلسطين وسلطة القانون، بحيث يرى العالم اننا نسير في موكب الحضارة الانسانية ويرى الفلسطينيون ان ما يبنى هنا هو سلطة شعب وحكم شعب واردة شعب. السؤال الذي يطرح في هذا الوضع هو: هل يرى مروان البرغوثي انه قريب من الحرية، خصوصا بعد أن راينا وزيرا اسرائيليا هو جدعون عزرا، نائب رئيس المخابرات الأسبق، يدعو لاطلاق سراحه؟
ويجيب جواد بولس على السؤال قائلا: «أولا باعتقادي ان اعتقال مروان البرغوثي هو غير شرعي وهو في أضعف الأحوال خطأ اسرائيلي فادح، فمروان هو جزء من حل وليس جزءا من اشكال. ثانيا، ان الشعب الفلسطيني برمته طالب بالافراج عن مروان البرغوثي والعديد من الجهات الرسمية والبرلمانية والحقوقية في العالم ما زالت تطالب بالافراج الفوري عنه، اضافة الى ان الرئيس الفلسطيني وجميع الفصائل الفلسطينية طالبت بالافراج عنه وما زالت تضعه في رأس قائمة المطلوب الافراج عنهم وخاصة فيما يسمى صفقة جلعاد شليط. أما بخصوص جدعون عزرا فهو يعمل وفق المنطق الاسرائيلي الذي يقول ما بين السيء والأسوأ اختر السيء ولذلك يطالب بأن يكون مروان واحدا من الأسماء المشمولة في صفقة شليط باعتبار انه الأقوى في مواجهة فوز «حماس». ويضيف مختتما: «من جهة ثانية نحن نعرف ان كل أسير فلسطيني يحلم بالحرية ويضعها لنفسه هدفا وأملا، ومروان واحد منهم. وجميعهم يعرفون انه، إن آجلا أو عاجلا، سيطلق سراحهم جميعا قبل انتهاء محكوميتهم. فالأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد بضعة ألوف من البشر المساجين، ان لكل بيت فلسطيني أسيرا واحدا أو أكثر. شعب بأسره داخل السجن. وهذه حالة غير طبيعية. فإن لم يكن اليوم في هذه الصفقة، فسيطلق سراحهم في صفقة ثانية أو ثالثة أو في اطار عملية انفراج سياسي. المهم انهم جميعا سيخرجون الى الحرية».