سنفور فلسطين
20-10-2008, 21:20
العيدُ بين الناس موسمٌ للفرح والابتهاج والانطلاق المُخمليّ، ومدىً لانفتاح الزمان على المكان، ومدىً آخر يعلو كل الأمداء، يُحلّق فيه الانسان مع حقيقته الجبِلّية، فيبتسم لاندماج الأداء اليوميِّ بالأصل الفلسفيّ، ثم يبتسم هاذياً - مع اشراقة للدّمع في الأحداق - حينَ يسترجعُ في لُجَّة الاستذكار أُموسَ الضباب وغُصصَ الرحيل!!....، أما في المخيم، فللعيد طعمٌ من سفرجلٍ وملحٍ وآس!، فكيف اذا كان المكان حُطاماً ورُكاماً، ودماً تغتسل به الذواكر صباحاً ومساء؟!؛ لا شك في أن للعيد آنَها معنىً حروفه من شقائق النُّعمان، وطعماً خيوطه من حنظلٍ لم يذقْه من قبل إنسٌ ولا جان، سوى المُشرَّدين الضائعين في صراع الفيلة والأقزام، من أميركان وطليان وعربان!!.
....، دخل المخيم مع ذويه صبيحةَ العيد...، لم يتّجه غرباً كما فعل المئاتُ الحالمون بإلقاء التحية على الأموات في المقبرة القديمة....، كان يعلمُ علمَ اليقين أن قبر أُمّه قد ضاعت معالمه مع ما ضاع من قبورٍ وحاراتٍ، تماماً كما ضاع الهواء في نهر الأحزان، فاكتفى بقراءةِ فاتحة الكتاب من بعيد، ثم هبَّ الى ما تبقى من عزيمته كي يُضمِّد جراحاً لم تزل آثار الدماء شاخصة عند حوافَّها، وألقى من نزوف قلبه حروفاً حمراء لنشيد الفرح المُؤجَّل، آملاً بأن يسبلَ صداها أجفاناً لم تنمْ حبَّاتها على الأحلام البنفسجية منذ غُوِّر «البارد» في نهر الرّماد!!.
....، وبعد لحظات صمتٍ إغريقي، يقف قرب شريط شائكٍ يفصل المخيم الجديد الكئيب عن القديم المُدمّر،....، يتذكر صرخة نازك الملائكة في قصيدة (كبرياء):
«لا تَسَلْني عن سِرَّ أدمعي الحرَّى
فبعضُ الأسرارِ يأبى الوُضوحا
بعضُها يُؤثرُ الحياةَ وراءَ الـ
ـحسِّ لُغزاً وإنْ يكنْ مجروحا»
ويسترجعُ لوعتَها في قصيدة (أحزان الشباب):
«لستُ ألقى حولي سوى عالمٍ يشـ
ـقى ويلقى عزاءَهُ في الشرورِ
ويبيعُ الحياة بالمتَعِ الحَمْـ
ـقاءِ والإثم والأذى والغُرور»
....، يضعُ رأسه بين راحتيه المُرتجفتين، وكما سأل غسان كنفاني ذاتَ يومٍ دامٍ: مَنْ قتلَ «ليلى الحايك»؟، يسألُ وهو ينتفض: مَنْ قتلَ «نهر البارد»؟!.
....، يصحو من تأملاته الصاخبة حين يُناديه ابنُ عمّه:
- تفضَّل يا حاج.. القهوة جاهزة!!.
بخطواتٍ حزينةٍ يسيرُ صاحبنا، وينضمُّ الى ذاك اللقاء العائليِّ في تلك الصبيحة المعجونة بالألم والمُتوَّجة بحُلم «صالح»....، و«صالح» له من العمر تسعُ سنوات، لكنه كالكبار، وقفَ يُحاكي أحزانه ويمنطق السبيل الى الفرح المنشود الذي بات يُختزل بامتلاك المأوى واستعادته من بين الرُّكام!!.
- اذهب يا صالح والعبْ مع الأولاد؛ هذي نقودُ العيد؟! لم يستجب بدايةً لنداء عمّه.....، لكنه حدَّق في الصمت وفي الذين من حوله قليلاً، وقبل أن يسير مع اعتمالات نفسه البريئة قال لأمّه بلهجة أطفال المخيّم بعد أن أخرج من جيبه «العيديّات»:
- شيلي (خبِّئي) لي المصاري!.
- ليش (لماذا)؟...، خلّيها معك يا إميْ من شان تلعب مع الأولاد وتصرف!.
- ما بدّي أصرف، ما بدّي إلعب، بدنا نعمّر، بدنا نشتري بيت!؟.
....، صرخَ صاحبُنا بعد ان ضمّ «صالح» الى صدره: آخ يا حبيبي يا عمي، يا حبيبي يا صالح....، حتى أنتَ، تجاوزتْ أحلامُك سنواتك!!.....، ثم أخرجَ دفتراً من محفظته التي لا تُفارقه وتَوحَّد في غرفةٍ بعيداً عن الآخرين وكتب في أوراقه الحزينة:
حبيبتي!!؛ ها أنذا الآن عارٍ، إلاّ من يقيني وحُزني وحبِّك....، أنشدُك كما ينشدُ «صالحٌ» مأواه في المخيم الكئيب، وأبحثُ عن زمنٍ في قلبكِ مُسَوَّرٍ بالطمأنينة والأمان، كما يبحث «صالحٌ» عن ذاك الزمان؛ فلا تخذليني!!. ....، كوني نجمة هوائي ومائي، وحوريّة يقظتي وسُباتي؛ ولا تُلقي بي الى دوّامة التّلوث الضوئيِّ، فإني لم أَرَكِ - لحظةً - دُميةً من مطاط، وإنما أخافُ من عبثِ لسانكِ وتعجُّلكِ أن يُسلماني لغرقٍ لا أملَ بعدهُ بالنّجاة!!.
حبيبتي!!؛ إننا نعيشُ مرحلة انكسار الأحلام وسيادة الأوهام، حيث الكثير من الكبار يَسقطون صغاراً، والعديدُ من الصغار يصعدون كباراً، وهذا «صالحٌ» خيرُ مثال؛ فلا تكوني نصفَ امرأة، بل حَلِّقي كما أتهجَّاكِ، ولا تفجعيني بسُقوطك عن عرش النّدى والأنسام والرُّؤى، فإني أرغبُ في أن أُجبلَ ذات مساءٍ قُرمزيٍّ مع حِنّاء يديكِ، كي أقفزَ الى مُشتهايَ السّرمديِّ فأصيرَ حصاناً من نورٍ يسطعُ بهاءً فوق عكَّا ويافا، ويتلو أطهر الأوراد فوق القدس، وأطيب الأنغام فوق دمشق، وأعذب التراتيل فوق بغداد الحزينة!!.
....، لملميني....، - يا ندايَ ومهايَ ونجوايَ - لأتنشَّق الهواء من يديك حياة، وأنحرَ العتمات، ثم ألثمَ اللازوردَ في مداكِ جنَّات من نخيلٍ وشهدٍ وهُيامٍ وأحلامٍ قُطوفُها دانيات!!....، لا تُيمِّمي وجهكِ شطر البحر الآخر، فإن وجهَ الشّبه بينك وبين «بروك شيلدز» وحدها الدمعاتُ وذاك المُتبختِرُ الأرجوانيُّ أو الكُحليُّ فوق إهابك؛ فلا تسترسلي في نشدان الياقوت من فتاة نيويورك، لأن منبتَهُ هُنا، وهُنا حصراً، في بلاد الحرف والشمسِ والقمر، وليس هناك سوى تمثالٍ يُزعمُ أنه حُرٌّ وهو غارقٌ في عبودية الحجر والأخضر المُزيَّف.
.....، تولدينَ - فقط - حينما أُحبُّك، وأنت من دون نبضي هلالٌ لا يصوم الناس لرؤيته ولا يفطرون؛ فلا تُلقي بي الى هلاك نفسك، ولا الى زوغان نبضك ورموشك!!....، عيناكِ - يا حبيبتي - أطيبُ عندي من عيني «تشارلز ثيرون»، وقامتُكِ ألذُّ في عينيَّ من قامتها، فانتشري في مدايَ أُضمومة حنانٍ تهبك الفحوى قبل أن تُسعدني، وتجعلك تولدين من جديد قبل أن تُزحْزحَ عن صدري أُوارَ الخيبة، ودُوارَ الكآبة!!.
....، جعلتُ إسمكِ نشيداً لي قبل أن أعرفك، فلا تُخْسريني قرطبة مرّّتين، ولا تجعلي جُرح نهريَ البارد يتجدّد في رؤياك وفي استرجاع مُحياك عند صومي ووقت صلاتي!!.
....، ولا تنسي التأمل والتّفكّر في حُلم «صالح»!!
. نهر البارد 18/10/2008
....، دخل المخيم مع ذويه صبيحةَ العيد...، لم يتّجه غرباً كما فعل المئاتُ الحالمون بإلقاء التحية على الأموات في المقبرة القديمة....، كان يعلمُ علمَ اليقين أن قبر أُمّه قد ضاعت معالمه مع ما ضاع من قبورٍ وحاراتٍ، تماماً كما ضاع الهواء في نهر الأحزان، فاكتفى بقراءةِ فاتحة الكتاب من بعيد، ثم هبَّ الى ما تبقى من عزيمته كي يُضمِّد جراحاً لم تزل آثار الدماء شاخصة عند حوافَّها، وألقى من نزوف قلبه حروفاً حمراء لنشيد الفرح المُؤجَّل، آملاً بأن يسبلَ صداها أجفاناً لم تنمْ حبَّاتها على الأحلام البنفسجية منذ غُوِّر «البارد» في نهر الرّماد!!.
....، وبعد لحظات صمتٍ إغريقي، يقف قرب شريط شائكٍ يفصل المخيم الجديد الكئيب عن القديم المُدمّر،....، يتذكر صرخة نازك الملائكة في قصيدة (كبرياء):
«لا تَسَلْني عن سِرَّ أدمعي الحرَّى
فبعضُ الأسرارِ يأبى الوُضوحا
بعضُها يُؤثرُ الحياةَ وراءَ الـ
ـحسِّ لُغزاً وإنْ يكنْ مجروحا»
ويسترجعُ لوعتَها في قصيدة (أحزان الشباب):
«لستُ ألقى حولي سوى عالمٍ يشـ
ـقى ويلقى عزاءَهُ في الشرورِ
ويبيعُ الحياة بالمتَعِ الحَمْـ
ـقاءِ والإثم والأذى والغُرور»
....، يضعُ رأسه بين راحتيه المُرتجفتين، وكما سأل غسان كنفاني ذاتَ يومٍ دامٍ: مَنْ قتلَ «ليلى الحايك»؟، يسألُ وهو ينتفض: مَنْ قتلَ «نهر البارد»؟!.
....، يصحو من تأملاته الصاخبة حين يُناديه ابنُ عمّه:
- تفضَّل يا حاج.. القهوة جاهزة!!.
بخطواتٍ حزينةٍ يسيرُ صاحبنا، وينضمُّ الى ذاك اللقاء العائليِّ في تلك الصبيحة المعجونة بالألم والمُتوَّجة بحُلم «صالح»....، و«صالح» له من العمر تسعُ سنوات، لكنه كالكبار، وقفَ يُحاكي أحزانه ويمنطق السبيل الى الفرح المنشود الذي بات يُختزل بامتلاك المأوى واستعادته من بين الرُّكام!!.
- اذهب يا صالح والعبْ مع الأولاد؛ هذي نقودُ العيد؟! لم يستجب بدايةً لنداء عمّه.....، لكنه حدَّق في الصمت وفي الذين من حوله قليلاً، وقبل أن يسير مع اعتمالات نفسه البريئة قال لأمّه بلهجة أطفال المخيّم بعد أن أخرج من جيبه «العيديّات»:
- شيلي (خبِّئي) لي المصاري!.
- ليش (لماذا)؟...، خلّيها معك يا إميْ من شان تلعب مع الأولاد وتصرف!.
- ما بدّي أصرف، ما بدّي إلعب، بدنا نعمّر، بدنا نشتري بيت!؟.
....، صرخَ صاحبُنا بعد ان ضمّ «صالح» الى صدره: آخ يا حبيبي يا عمي، يا حبيبي يا صالح....، حتى أنتَ، تجاوزتْ أحلامُك سنواتك!!.....، ثم أخرجَ دفتراً من محفظته التي لا تُفارقه وتَوحَّد في غرفةٍ بعيداً عن الآخرين وكتب في أوراقه الحزينة:
حبيبتي!!؛ ها أنذا الآن عارٍ، إلاّ من يقيني وحُزني وحبِّك....، أنشدُك كما ينشدُ «صالحٌ» مأواه في المخيم الكئيب، وأبحثُ عن زمنٍ في قلبكِ مُسَوَّرٍ بالطمأنينة والأمان، كما يبحث «صالحٌ» عن ذاك الزمان؛ فلا تخذليني!!. ....، كوني نجمة هوائي ومائي، وحوريّة يقظتي وسُباتي؛ ولا تُلقي بي الى دوّامة التّلوث الضوئيِّ، فإني لم أَرَكِ - لحظةً - دُميةً من مطاط، وإنما أخافُ من عبثِ لسانكِ وتعجُّلكِ أن يُسلماني لغرقٍ لا أملَ بعدهُ بالنّجاة!!.
حبيبتي!!؛ إننا نعيشُ مرحلة انكسار الأحلام وسيادة الأوهام، حيث الكثير من الكبار يَسقطون صغاراً، والعديدُ من الصغار يصعدون كباراً، وهذا «صالحٌ» خيرُ مثال؛ فلا تكوني نصفَ امرأة، بل حَلِّقي كما أتهجَّاكِ، ولا تفجعيني بسُقوطك عن عرش النّدى والأنسام والرُّؤى، فإني أرغبُ في أن أُجبلَ ذات مساءٍ قُرمزيٍّ مع حِنّاء يديكِ، كي أقفزَ الى مُشتهايَ السّرمديِّ فأصيرَ حصاناً من نورٍ يسطعُ بهاءً فوق عكَّا ويافا، ويتلو أطهر الأوراد فوق القدس، وأطيب الأنغام فوق دمشق، وأعذب التراتيل فوق بغداد الحزينة!!.
....، لملميني....، - يا ندايَ ومهايَ ونجوايَ - لأتنشَّق الهواء من يديك حياة، وأنحرَ العتمات، ثم ألثمَ اللازوردَ في مداكِ جنَّات من نخيلٍ وشهدٍ وهُيامٍ وأحلامٍ قُطوفُها دانيات!!....، لا تُيمِّمي وجهكِ شطر البحر الآخر، فإن وجهَ الشّبه بينك وبين «بروك شيلدز» وحدها الدمعاتُ وذاك المُتبختِرُ الأرجوانيُّ أو الكُحليُّ فوق إهابك؛ فلا تسترسلي في نشدان الياقوت من فتاة نيويورك، لأن منبتَهُ هُنا، وهُنا حصراً، في بلاد الحرف والشمسِ والقمر، وليس هناك سوى تمثالٍ يُزعمُ أنه حُرٌّ وهو غارقٌ في عبودية الحجر والأخضر المُزيَّف.
.....، تولدينَ - فقط - حينما أُحبُّك، وأنت من دون نبضي هلالٌ لا يصوم الناس لرؤيته ولا يفطرون؛ فلا تُلقي بي الى هلاك نفسك، ولا الى زوغان نبضك ورموشك!!....، عيناكِ - يا حبيبتي - أطيبُ عندي من عيني «تشارلز ثيرون»، وقامتُكِ ألذُّ في عينيَّ من قامتها، فانتشري في مدايَ أُضمومة حنانٍ تهبك الفحوى قبل أن تُسعدني، وتجعلك تولدين من جديد قبل أن تُزحْزحَ عن صدري أُوارَ الخيبة، ودُوارَ الكآبة!!.
....، جعلتُ إسمكِ نشيداً لي قبل أن أعرفك، فلا تُخْسريني قرطبة مرّّتين، ولا تجعلي جُرح نهريَ البارد يتجدّد في رؤياك وفي استرجاع مُحياك عند صومي ووقت صلاتي!!.
....، ولا تنسي التأمل والتّفكّر في حُلم «صالح»!!
. نهر البارد 18/10/2008